فصل: قال الخازن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عاشور:

{وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله} عطف على جملة: {جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها} [الأنعام: 123] لأنّ هذا حديث عن شيء من أحوال أكابر مجرمي مكّة، وهم المقصود من التّشبيه في قوله: {وكذلك جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها}.
ومكّة هي المقصود من عموم كلّ قرية كما تقدّم، فالضّمير المنصوب في قوله: {جاءتهم} عائدٌ إلى {أكابر مجرميها} [الأنعام: 123]، باعتبار الخاصّ المقصود من العموم، إذ ليس قولُ: {لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله} بمنسوب إلى جميع أكابر المجرمين من جميع القرى.
والمعنى: إذا جاءتهم آية من آيات القرآن، أي تُليت عليهم آية فيها دعوتهم إلى الإيمان.
فعبّر بالمجيء عن الإعلام بالآية أو تلاوتها تشبيها للإعلام بمجيء الدّاعي أو المرسل.
والمراد أنَّهم غير مقتنعين بمعجزة القرآن، وأنَّهم يطْلبون معجزات عَيْنية مثل معجزة موسى ومعجزة عيسى، وهذا في معنى قولهم: {فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون} [الأنبياء: 5] لجهلهم بالحكمة الإلهيّة في تصريف المعجزات بما يناسب حال المرسل إليهم، كما حكى الله تعالى: {وقَالوا لولا أنزل عليه آيات من ربّه قل إنَّما الآيات عند الله وإنَّما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إنّ في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} [العنكبوت: 50، 51]؛ وقال النّبي صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء نبيء إلاّ أعطي من الآيات ما مِثْلُه آمنَ عليه البشر، وإنَّما كان الّذي أوتيتُ وحيًا أوحى الله إليّ» الحديث.
وأطلق على إظهار المعجزة لديهم بالإيتاء في حكاية كلامهم إذ قيل: {حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله} لأنّ المعجزة لمّا كانت لإقناعهم بصدق الرّسول عليه الصّلاة والسلام أشبهت الشّيء المعطى لهم.
ومعنى: {مثل ما أوتى رسل الله} مثل ما أتَى اللَّهُ الرّسلَ من المعجزات الّتي أظهروها لأقوامهم.
فمرادهم الرّسل الّذين بَلغتهم أخبارهم.
وقيل: قائل ذلك فريق من كبراء المشركين بمكّة، قال الله تعالى: {بل يريد كل امرئ منهم أن يُؤتى صحفًا مُنَشَّرة} [المدثر: 52].
روي أنّ الوليد بن المغيرة، قال للنّبيء صلى الله عليه وسلم لو كانت النّبوءةُ لكنتُ أولى بها منكَ لأنّي أكبرُ منك سِنّا وأكثر مالًا وولدًا؛ وأنّ أبا جهل قال: زاحمَنا (يعني بني مخزوم) بنو عبد مناف في الشّرف، حتّى إذا صرنا كفَرسَيْ رِهانٍ قالوا: مِنّا نبيء يُوحى إليه، والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبدًا إلاّ أن يأتينا وحي كما يأتيه.
فكانت هذه الآية مشيرة إلى ما صدر من هذين، وعلى هذا يكون المراد حتّى يأتينا وَحْي كما يأتي الرّسلَ.
أو يكون المراد برسل الله جميع الرّسل، فعدلوا عن أن يقولوا مثل ما أوتي محمّد صلى الله عليه وسلم لأنّهم لا يؤمنون بأنّه يأتيه وحي.
ومعنى {نؤتى} على هذا الوجه نعطى مثل ما أعطي الرّسل، وهو الوحي.
أو أرادوا برسل الله محمّدًا صلى الله عليه وسلم فعبّروا عنه بصيغة الجمع تعريضًا، كما يقال: إنّ ناسًا يقولون كذا، والمراد شخص معيّن، ومنه قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} [الشعراء: 105] ونحوه، ويكون إطلاقهم عليه: {رسل الله} تهكّمًا به صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله عنهم في قوله: {وقالوا يأيُّها الذي نُزِّل عليه الذكر إنَّك لمجنون} [الحجر: 6] وقوله: {إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} [الشعراء: 27]. اهـ.

.قال الفخر:

وأما قوله: {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} فالمعنى أن للرسالة موضعًا مخصوصًا لا يصلح وضعها إلا فيه، فمن كان مخصوصًا موصوفًا بتلك الصفات التي لأجلها يصلح وضع الرسالة فيه كان رسولًا وإلا فلا، والعالم بتلك الصفات ليس إلا الله تعالى.
واعلم أن الناس اختلفوا في هذه المسألة، فقال بعضهم: النفوس والأرواح متساوية في تمام الماهية، فحصول النبوة والرسالة لبعضها دون البعض تشريف من الله وإحسان وتفضل.
وقال آخرون: بل النفوس البشرية مختلفة بجواهرها وماهياتها، فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة.
وبعضها خسيسة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول، لم تصلح لقبول الوحي والرسالة.
ثم إن القسم الأول يقع الاختلاف فيه بالزيادة والنقصان والقوة والضعف إلى مراتب لا نهاية لها، فلا جرم كانت مراتب الرسل مختلفة، فمنهم من حصلت له المعجزات القوية والتبع القليل، ومنهم من حصلت له معجزة واحدة أو اثنتان وحصل له تبع عظيم، ومنهم من كان الرفق غالبًا عليه، ومنهم من كان التشديد غالبًا عليه، وهذا النوع من البحث فيه استقصاء، ولا يليق ذكره بهذا الموضع وقوله تعالى: {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} فيه تنبيه على دقيقة أخرى.
وهي: أن أقل ما لابد منه في حصول النبوة والرسالة البراءة عن المكر والغدر، والغل والحسد.
وقوله: {لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله} عين المكر والغدر والحسد، فكيف يعقل حصول النبوة والرسالة مع هذه الصفات؟ ثم بين تعالى أنهم لكونهم موصوفين بهذه الصفات الذميمة سيُصيبهم صَغار عند الله وعذاب شديد وتقريره أن الثواب لا يتم إلا بأمرين، التعظيم والمنفعة، والعقاب أيضًا إنما يتم بأمرين: الإهانة والضرر.
والله تعالى توعدهم بمجموع هذين الأمرين، في هذه الآية، أما الإهابة فقوله: {سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ الله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} وإنما قدم ذكر الصغار على ذكر الضرر، لأن القوم إنما تمردوا عن طاعة محمد عليه الصلاة والسلام طلبًا للعز والكرامة، فالله تعالى بين أنه يقابلهم بضد مطلوبهم، فأول ما يوصل إليهم إنما يوصل الصغار والذل والهوان، وفي قوله: {صَغَارٌ عِندَ الله} وجوه: الأول: أن يكون المراد أن هذا الصغار إنما يحصل في الآخرة، حيث لا حاكم ينفذ حكمه سواه.
والثاني: أنهم يصيبهم صغار بحكم الله وإيجابه في دار الدنيا، فلما كان ذلك الصغار هذا حاله، جاز أن يضاف إلى عند الله.
الثالث: أن يكون المراد {سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ} ثم استأنف.
وقال: {عَندَ الله} أي معدلهم ذلك، والمقصود منه التأكيد، الرابع: أن يكون المراد صغار من عند الله، وعلى هذا التقدير: فلابد من إضمار كلمة من وأما بيان الضرر والعذاب، فهو قوله: {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} فحصل بهذا الكلام أنه تعالى أعد لهم الخزي العظيم والعذاب الشديد، ثم بين أن ذلك إنما يصيبهم لأجل مكرهم وكذبهم وحسدهم. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالاته}
وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: {رسالتَه} بنصب التاء على التوحيد؛ والمعنى: أنهم ليسوا لها بأهل، وذلك أن الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النبوة حقًا لكنتُ أولى بها منك، لأني أكبرُ منك سنًا، وأكثرُ منك مالًا، فنزل قوله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالاته}
وقال أهل المعاني: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل مبعثهم مطاعين في قومهم، لأن الطعن كان يتوجه عليهم، فيقال: إنما كانوا رؤساء فاتُّبِعوا، فكان الله أعلم حيث جعل الرسالة ليتيم أبي طالب، دون أبي جهل، والوليد، وأكابر مكة.
قوله تعالى: {سيصيب الذين أجرموا صَغَارٌ} قال أبو عبيدة: الصَّغَار: أشد الذل.
وقال الزجاج: المعنى: هم، وإن كانوا أكابر في الدنيا، فسيصبهم صغار عند الله، أي: صغار ثابت لهم عند الله.
وجائز أن يكون المعنى: سيصيبهم عند الله صغار.
وقال الفراء: معناه: صغار من عند الله، فحذفت مِنْ.
وقال ابو رَوقْ: صغار في الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة. اهـ.

.قال الخازن:

قوله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} يعني أنه تعالى يعلم من يستحق الرسالة فيشرفه بها ويعلم من لا يستحقها من ليس بأهل لها، وأنتم لستم لها بأهل وأن النبوة لا تحصل لمن يطلبها، خصوصًا لمن عنده حسد ومكر وغدر.
وقال أهل المعاني: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل البعثة مطاعين في قومهم، لأن الطعن كان يتوجه عليهم فيقال إنما كانوا رؤساء مطاعين فاتبعهم قومهم لأجل ذلك فكان الله تعالى أعلم بمن يستحق الرسالة فجعلها ليتيم أبي طالب دون أبي جهل والوليد وغيرهما من أكابر قريش ورؤسائها.
وقوله تعالى: {سيصيب الذين أجرموا صَغار} أي ذلة وهوان.
وقيل الصغار هو الذل الذي تصغر إلى المرء نفسه فيه {عند الله} يعني هذا من عند الله وقيل إن هذا الصغار ثابت لهم عند الله فعلى هذا القول إنما يحصل لهم الصغار في الآخرة وقيل معناه سيصيبهم صغار بحكم الله حكم به عليهم في الدنيا {وعذاب شديد} يعني في الآخرة {بما كانوا يمكرون} يعني إنما حصل لهم هذا الصغار والعذاب بسبب مكرهم وحسدهم وطلبهم ما لا يستحقون. اهـ.

.قال القرطبي:

والصَّغار: الضَّيْم والذل والهوان، وكذلك الصُّغر (بالضم).
والمصدر الصَّغَر (بالتحريك).
وأصله من الصِّغَر دون الكبر؛ فكأنّ الذلّ يصغّر إلى المرء نفسه، وقيل: أصله من الصَّغَر وهو الرضا بالذل؛ يقال منه: صَغَر يَصْغُر بفتح الغين في الماضي وضمها في المستقبل.
وصَغِر بالكسر يصْغَر بالفتح لغتانِ، صَغَرًا وصَغارًا، واسم الفاعل صاغِر وصغير.
والصاغر: الراضي بالضيم.
والمَصْغُوراء الصِّغار.
وأرض مُصْغِرَة: نبتها لم يَطُل؛ عن ابن السِّكّيت.
{عِندَ الله} أي من عند الله، فحذف.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي سيصيب الذين أجرموا عند الله صغار.
الفراء: سيصيب الذين أجرموا صغار من الله.
وقيل: المعنى سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله.
قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال؛ لأن عند في موضعها. اهـ.

.قال أبو حيان:

{الله أعلم حيث يجعل رسالاته} هذا استئناف إنكارعليهم وأنه تعالى لا يصطفي للرسالة إلا من علم أنه يصلح لها وهو أعلم بالجهة التي يضعها فيها وقد وضعها فيمن اختاره لها وهو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم دون أكابر مكة كأبي جهل والوليد بن المغيرة ونحوهما.
وقيل: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل البعث مطاعين في قومهم لأنهم إن كانوا مطاعين قبل اتبعوا لأجل الطاعة السابقة وقالوا: حيث لا يمكن إقرارها على الظرفية هنا.
قال الحوفي: لأنه تعالى لا يكون في مكان أعلم منه في مكان فإذا لم تكن ظرفًا كانت مفعولًا على السعة والمفعول على السعة لا يعمل فيه أعلم لأنه لا يعمل في المفعولات فيكون العامل فيه فعل دل عليه أعلم.
وقال أبو البقاء: والتقدير يعلم موضع رسالاته وليس ظرفًا لأنه يصير التقدير يعلم في هذا المكان كذا وليس المعنى عليه، وكذا قدره ابن عطية.
وقال التبريزي: {حيث} هنا اسم لا ظرف انتصب انتصاب المفعول كما في قول الشماخ:
وحلأها عن ذي الأراكة عامر ** أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواحر

فجعل مفعولًا به لأنه ليس يريد أنه يرمي شيئًا حيث تكوى النواحر، إنما يريد أنه يرمي ذلك الموضع؛ انتهى.
وما قاله من أنه مفعول به على السعة أو مفعول به على غير السعة تأباه قواعد النحو، لأن النحاة نصوا على أن {حيث} من الظروف التي لا تتصرف وشذ إضافة لدى إليها وجرها بالياء ونصوا على أن الظرف الذي يتوسع فيه لا يكون إلا متصرفًا وإذا كان الأمر كذلك امتنع نصب {حيث} على المفعول به لا على السعة ولا على غيرها، والذي يظهر لي يجعل رسالته إقرار {حيث} على الظرفية المجازية على أن تضمن {أعلم} معنى ما يتعدى إلى الظرف فيكون التقدير الله أنفذ علمًا {حيث يجعل رسالاته} أي هو نافذ العلم في الموضع الذي يجعل فيه رسالته، والظرفية هنا مجاز كما قلنا وروى {حيث} بالفتح.